الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني
427
مناهل العرفان في علوم القرآن
« وذهب كثير من الأصوليين إلى أن التواتر شرط في ثبوت ما هو من القرآن بحسب أصله . وليس بشرط في محله ووضعه وترتيبه . بل يكثر فيها نقل الآحاد . قيل وهو الذي يقتضيه صنع الشافعي في إثبات البسملة من كل سورة . وردّ هذا المذهب بأن الدليل السابق يقتضى التواتر في الجميع ، ولأنه لو لم يشترط لجاز سقوط كثير من القرآن المكرر ، وثبوت كثير مما ليس بقرآن منه . أما الأول فلأنا لو لم نشترط التواتر في المحل ، جاز ألا يتواتر كثير من المكررات الواقعة في القرآن . مثل « فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ » . وأما الثاني فلأنه إذا لم يتواتر بعض القرآن بحسب المحل ، جاز إثبات ذلك البعض في الموضع بنقل الآحاد . وقال القاضي أبو بكر في الانتصار : « ذهب قوم من الفقهاء والمتكلمين إلى إثبات قرآن حكما لا علما بخبر الواحد دون الاستفاضة . وكره ذلك أهل الحق وامتنعوا منه . وقال قوم من المتكلمين : إنه يسوغ إعمال الرأي والاجتهاد في إثبات قراءة وأوجه وأحرف ، إذا كانت تلك الأوجه صوابا في العربية ، وإن لم يثبت أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قرأ بها . وأبى ذلك أهل الحق وأنكروه وخطئوا من قال به » . ا ه وقد بنى المالكية وغيرهم ممن قال بإنكار البسملة قولهم على هذا الأصل ، وقرروا أنها لم تتواتر في أوائل السور ، وما لم يتواتر فليس بقرآن . وأجيب من قبلنا بمنع كونها لم تتواتر ؛ فربّ متواتر عند قوم دون آخرين ، وفي وقت دون آخر . ويكفى في تواترها إثباتها في مصاحف الصحابة فمن بعدهم بخط المصحف مع منعهم أن يكتب في المصحف ما ليس منه ، كأسماء السور وآمين والأعشار . فلو لم تكن قرآنا لما استجازوا إثباتها بخطه من غير تمييز ، لأن ذلك يحمل على اعتقاد كونها قرآنا . فيكونون مغرّرين بالمسلمين حاملين لهم على اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا ، وهذا مما لا يجوز اعتقاده في الصحابة . فإن قيل : لعلها أثبتت للفصل بين السور . أجيب : بأن هذا فيه تغيير ،